ابراهيم بن عمر البقاعي
637
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بارد ولا رطب ولا يابس أَخَذْناهُمْ بعظمتنا ، وإنما أخذناهم في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم بَغْتَةً فلم نمكنهم من التضرع عند خفوق الأمر ، ولا أمهلناهم أصلا بل نزل عليهم من أثقال العذاب ، وأباح بهم من أحمال الشدائد وصروف البلايا ما أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ * أي تسبب عن ذلك البغت أن فاجؤوا السكوت على ما في أنفسهم واليأس تحسرا وتحيرا ، واستمروا بعد أن سكتوا إلى أن همدوا وخفتوا ، ففي نفي التضرع عن المتقدمين بعد أن أثبته لمشركي هذه الأمة استعطاف لطيف ، وفي ذكر استدراج أولئك بالنعم عند نسيان ما ذكروا به إلى ما أخذهم بغتة من قواصم النقم غاية التحذير . ولما كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشذّابهم لملل أصحابه من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب ، أخبر تعالى أن أخذه على غير ذلك ، وأن نيله للآخر كنيله للأول على حد سواء ، فقال مسببا عن الأخذ الموصوف مشيرا بالبناء للمفعول إلى تمام القدرة ، وبالدابر إلى الاستئصال : فَقُطِعَ دابِرُ أي آخر الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي بوضع الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام ، وضعوا لقسوة موضع الرقة التي تدعو إليها الشدة ، ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى الشدة ، كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع دعاء من أفاض تلك النعم ، ودعوتم اللّه وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من عبدتموه وقت الرخاء ، لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به . وإذا تكون كريهة أدعى لها * وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من عادوهم فيه من الرسل عليهم السّلام وأتباعهم رضي اللّه عنهم ، نبه على ذلك بالجملة مع ما يشير إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال : وَالْحَمْدُ أي قطع أمرهم كله والحال أن الإحاطة بأوصاف الكمال لِلَّهِ المتفرد بنعوت الجلال والجمال رَبِّ الْعالَمِينَ * الموجد لهم أجمعين ، أي له ذلك كله بعد فناء الخلق على أيّ صفة كانوا من إيمان أو كفر ، كما كان له ذلك قبل وجودهم وعند خلقهم على كل من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة ، فكأنه قيل : الكمال للّه الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، فقطع دابرهم ، والكمال له لم يتغير ، لأنه لا يزيده وجود موجود ، ولا ينقصه فقد مفقود ، فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان محمودا حال الإيجاد والخلق ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ، فإنه لا يخرج شيء عن إيمانهم ولا كفرانهم عن إرادته سبحانه ، فلا عليك منهم اقترحوا الآيات أولا ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ .